صديق الحسيني القنوجي البخاري
329
فتح البيان في مقاصد القرآن
حِينَ الْوَصِيَّةِ بدل منه لا ظرف للموت كما توهم ولا لحضوره كما قيل ، فإن في الإبدال تنبيها على أن الوصية من المهمات المقررة التي لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها . اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت وأنصح له وأقرب إلى تحري ما هو أصلح له أَوْ آخَرانِ كائنان مِنْ غَيْرِكُمْ أي من الأجانب وقيل إن الضمير في مِنْكُمْ للمسلمين والمراد بقوله غَيْرِكُمْ الكفار وهو الأنسب بسياق الآية وبه قال أبو موسى الأشعري وابن عباس وغيرهما : فيكون في الآية دليل على جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر في خصوص الوصايا كما يفيده النظم القرآني ، ويشهد له السبب للنزول وسيأتي . فإذا لم يكن مع الموصي من يشهد على وصيته من المسلمين فليشهد رجلان من أهل الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا ، وإن ما شهدا به حق فيحكم حينئذ بشهادتهما فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الموصي وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوها . هذا معنى الآية عند من تقدم ذكره ، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبو مجلز والنخعي وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي والثوري وأبو عبيد وأحمد بن حنبل ، وذهب إلى الأول أعني تفسير ضمير منكم بالقرابة أو العشيرة وتفسير غيركم بالأجانب : الزهري والحسن وعكرمة ، وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء إلى أن الآية منسوخة ، واحتجوا بقوله : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [ البقرة : 282 ] وقوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [ الطلاق : 2 ] والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول . وخالفهم الجمهور فقالوا : الآية محكمة وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ ، وأما قوله تعالى : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ وقوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فهما علمان في الأشخاص والأزمان والأحوال ، وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين ، ولا تعارض بين خاص وعام . إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ الضرب في الأرض هو السفر أي إن سافرتم فيها ، قال السمين قوله : إن أنتم قيد في قوله : أَوْ آخَرانِ وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ولو جرى على لفظ إذا حضر أحدكم الموت لكان التركيب هكذا إن هو ضرب في الأرض فأصابته . فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ أي فنزل بكم أسباب الموت وقاربكم الأجل وأردتم